عاد الجنوب يشتي عقل !

  • كتابات
  • 884 قراءة
  • 0 تعليق
  • الأحد 16-04-2017 01:24 مساء

محمد علي محسن

في سنوات الرعب التي هيمنت على الأرجنتين كان المواطنون يدعون عدم معرفتهم بتلك الجرائم الفظيعة المرتكبة نهارا جهارا وإمام ناظريهم .

 ولهم عذرهم ، فالخوف والهلع اللذين تسببا بهما نظام الجنرالات البوليسي المتأثر وقتها بنظيره النظام القمعي في تشيلي بقيادة الجنرال أوغستو بيونشيه المدعوم أمريكيا ، الذي قدر له إغراق بلده في حمام دم لا يتوقف ، منذ انقلابه العسكري على الرئيس المحترم المنتخب ديمقراطيا " سلفادور آلندي " في سبتمبر ٧٣م .

 خير وصف لتلك المرحلة المظلمة ، من تاريخ دول أمريكا الجنوبية ، هو ما أوردته مؤلفة كتاب " عقيدة الصدمة " الكاتبة الكندية " نعومي كيلاني " .

 فالمواطن الأرجنتيني بعيد انقشاع غمة حقبة الاغتيالات ، كان يردد جملة واحدة ، تعليقا على مقتل نحو ثلاثين ألف نهاية السبعينات :" لم نكن نعلم بما لم يستطع احد إنكاره ".

 حالنا اليوم افضل بكثير من تجارب تراجيدية ومأساوية عاشتها مجتمعات عدة ، ومع اختلاف الزمان والمكان والنظام ، لا يبدو من صمتنا ازاء تصرفات طائشة أن لدينا الشجاعة الكافية ، كي نعلن رفضنا الكامل لتلك السلوكيات الضاربة لصميم وجودنا ، كأناس ينتمون لحقبة الحقوق والحريات والديمقراطية .

 حقيقة لا افهم ، لماذا يصر البعض من الجنوبيين على اختزال جغرافية الجنوب وكأنه بقرة هندية يتوجب عبادتها والتقرب اليها بالمزيد من القرابين والطاعة العمياء؟! .

 لا ادري ما الحكمة في تجريد الجغرافيا من الانسان الذي هو أصل وجودها وتاريخها وتطورها ؟ وما الغاية من اخضاع الزمان والانسان والفكر والسياسة لفكرة المكان الاحادية الراديكالية ؟!

 تصوروا مثلا وأحد يتمنطق الكلاشينكوف وجل قضيته ﺍﻏﻼﻕ معبر سناح بالضالع او الشريجة في لحج ! كارثة ان يقدم الجنوب ذاته كبقعة خاوية جرداء من اي قيمة إنسانية او سياسية او ثقافية وحضارية .

 لا أود الدخول في جدل عقيم مع اناس ليس في رؤوسهم غير مفردتي المعبر او الشريط الحدودي ،كأن قعطبة باتت غزة ويستلزمها تأشيرة دخول ! .

 فمثلما قيل لا تماري عالما او جاهلا ، فالعالم يغلبك بمعرفته وعلمه والجاهل يقهرك او يؤذيك .

 

لكنني أخاطب هنا العقلاء ، وممن لديهم على ﺍﻻﻗﻞ فكرة عن ماهية الحالة اليمنية المعقدة . فعلى فرضية ان الجنوبيين حسموا أمرهم ان لا حل لمشكلاتهم غير استعادة الدولة الجنوبية ، والى وضعها القانوني والسياسي السابقين ؛ فهل هذا مبرر كاف لأن تغيب فيه الحكمة والرشد ؟! .

 الواقع اننا مازلنا نعيش في ظل الدولة اليمنية . وان هناك سلطة شرعية معترف بها وطنيا وإقليميا ودوليا . كما وعدن ، من وجهة نظري على ﺍﻻﻗﻞ ، هي عاصمة مؤقتة للبلاد ، وما في داعي للمغالطة والتضليل .

 

عدن ومحافظات الجنوب تحررت من اعتى قوة عسكرية وقبلية وجهوية ، ولكن هذا التحرير لم يكن بمعزل عن دعم السلطة الشرعية وقوات التحالف التي يعرف القاصي والداني ان تدخلها في اليمن كان نصرة ودعما للسلطة الشرعية بدرجة أولى .

 ولأجل غاية واحدة هي تطهير اليمن من قوة انقلابية لها أجندة إقليمية ويمكنها مستقبلا ان تكون بمثابة شوكة في خاصرة استقرار دول الخليج .

نعم ، عاد الجنان يريد عقل ، وفق تعبير الراحل حكيم مجانين الضالع " حوات " .

اعتقد انني تحدثت بما فيه الكفاية ، ودونما الإسهاب في التفاصيل التي قد يساء فهمها .

فما حدث في معبر رفح ، عذرا " سناح " أرجو ان لا يتكرر ، فعلى هؤلاء ان يدركوا حقيقة أننا مازلنا نعيش في جمهورية واحدة ، وسلطة واحدة ، وان كانت هذه الدولة وهذه السلطة في طور التشكل .

 كما وعلى الأصوات المبررة للأخطاء في المحافظات المحررة ان تتعلم من أفعالها الخاطئة ومن تجارب الآخرين ايضا ، بدلا من الإصرار على الكذب والخداع وتسويق الوهم .

 

فليس هناك ما هو أسوأ من تبرير الانتهاكات والجرائم المقترفة بجهل او بقناعة ، فمثل هذه الأفعال يعد السكوت عنها جريمة ؛ لانها وببساطة لا تقيم وطنا او عدلا او نظاما او مجتمعا قويا وحصينا ، بما يمتلكه من روح وأفكار وقناعات أصيلة دالة عنه ومحاكية لوجوده .


الرئيسة
الرد السريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *