هل طورت موسكو صاروخاً مضاداً للأقمار الصناعية؟.. هذه حقيقة اختبار روسيا سلاحاً في الفضاء

في 16 من ديسمبر/كانون الأول، تردد أن الجيش الروسي قام بتجربة ما يبدو أنه سلاح مضاد للأقمار الصناعية، صاروخ ينطلق على مدار منخفض ليحطم سفينة عدوٍ فضائية.

تقرير نشره موقع "ذا دايلي بيست" الأميركي، الجمعة 23 ديسمبر/كانون الأول 2016، قال إن الاختبار قد يكون أحدث إشارةٍ تكشف نوايا روسيا ومدى تطور قدراتها كي تهدد الولايات المتحدة بكل سفنها الفضائية الخاصة منها والحكومية التي يبلغ تعدادها بالمئات، وبذلك ستُضعِف من قوة الولايات المتحدة وأفضليتها العسكرية التجارية في الفضاء.

لعل التجربة كذلك أحدثُ استفزازٍ من النظام الروسي الذي بات يوماً بعد يوم يُزايد في نفيه أي مسؤولية له عن حركاته التي تقلقل الاستقرار، كتنصّلِ موسكو من مسؤوليتها عن اختراق وقرصنة الانتخابات الأميركية والبلدان الغربية الأخرى واحتلال أوكرانيا وغيرها من الهجمات على النظام العالمي.


مراقبة لإطلاق الصواريخ حول العالم

وقد مرّ خبر تجربة الصاروخ المضاد للأقمار الصناعية الظاهرة ASAT دون إثارة انتباه الرأي العام، لكن الموقع الإعلامي السياسي الأميركي المحافظ Washington Free Beacon كان أول من نقل خبر تجربة السلاح بتاريخ 21 ديسمبر/كانون الأول، حيث ذكر الموقع أنه استقى الخبر من مصادر حكومية أميركية لم يكشف عنها. كذلك حذت السي إن إن حذوه وأرجعت مصادرها إلى مسؤولين أميركيين تحفظت على أسمائهم.

النقيب نيكولاس ميركوريو المتحدث باسم القوة الجوية الـ14 المعنية بأنظمة الفضاء الأميركية رفض التعليق بالذات على خبر التجربة الروسية وقال للموقع الأميركي: "إننا نرقب كل إطلاق للصواريخ حول العالم، لكن من سياستنا في العادة عدم مناقشة أي إخباريات متعلقة بإطلاق الصواريخ".

أما الرواية الروسية لتبرير اختبار الصاروخ المضاد للأقمار الصناعية فهي أن الصاروخ ليس سلاحاً مضاداً للأقمار الصناعية بل الغرض منه التصدي للصواريخ البالستية بشكل دفاعي. معنى هذا أن الصاروخ الذي اختبرته روسيا في 16 ديسمبر/كانون الأول قد يكون مضاداً صاروخياً دفاعياً لا مضاد أقمار صناعية هجومي، لكن بافيل بودفيغ الخبير المستقل في القوات الروسية الاستراتيجية قال لدايلي بيست عبر رسالة إلكترونية: "أرى أنه قد يكون أياً من هذين الاحتمالين، إذ يصعب التكهن في الوقت الراهن بماهيته".

لكن الواقع أنه لا فرق حقيقياً بين كونه سلاحاً مضاداً للأقمار الصناعية وكونه صاروخاً دفاعياً متصدياً للصواريخ، فالصاروخ ذاته يستطيع فعل هذا وذاك.

الموقع الأميركي نقل عن جيفري لويس من معهد ميدلبيري للدراسات الدولية، قوله: "الفرق الوحيد بين صاروخ دفاعي متصدٍّ للصواريخ البالستية الهجومية وبين صاروخ هجومي ذي مدار منخفض حول الأرض يستهدف الأقمار الصناعية الظاهرة ASAT هو في البرمجيات (السوفت وير)".

فمثلاً عام 2008 عمدت البحرية الأميركية إلى تغيير شيفرة صواريخ التصدي خاصتها التي على متن سفنها التي من نوع SM-3، وبذلك تمكنت بنجاح من استهداف قمر صناعي أميركي قديم كان يدور حول الأرض في مدار منخفض.

لكن طبيعة الاختبار الروسي ترجح كفة أن هذا الصاروخ هجومي يستهدف الأقمار الصناعية، فالصاروخ انطلق حسب الرواية من قاعدة وسط روسيا ثم انحنى ليدخل مداراً منخفضاً، وذكرت السي إن إن أنه لم يخلف أثر حطام، ما يعني أن الصاروخ استهدف نقطة في الفضاء بدلاً من استهداف قمر صناعي روسي انتهت خدمته.

إن استهداف إحداثيات فضائية محددة بصاروخ فيه إشارة إلى أن الغرض هو تدمير سفن فضائية. يقول لويس: "إن استهداف نقطة في الفضاء لا يجدي شيئاً من وجهة نظر دفاعية صاروخية".

السبب هو أن الصواريخ البالستية المنطلقة نحوك في هجوم تكون سرعة حركتها كبيرة، ولهذا فعلى الصاروخ المتصدي أن يكون قادراً على المناورة السريعة كي يضاهي الهدفَ الذي يغير موقعه باستمرار؛ أما الأقمار الصناعية بالمقارنة فسرعة حركتها بطيئة وسهلة التكهن بمسارها. يوضح لويس: "لا تعلم أين سيتجه صاروخ ما، لكن يمكنك معرفة أين سيتجه قمر صناعي".


حرب "غير متناظرة"

وبقيادة فلاديمير بوتين أصبحت روسيا قائدة العالم في حرب "غير متناظرة" فهي تستهدف أعداءها خلسة في الخفاء بطرق تجنبها المواجهة المباشرة. مثلاً لقد أرسلت روسيا جنود مجموعة "الرجال الخضر الصغار" إلى أوكرانيا دون زيهم الرسمي الموحّد بغية احتلال منطقة القرم، ثم انهالت على الجنود الأوكرانيين بالقذائف المنطلقة من جهة الحدود الروسية مع أوكرانيا، ثم ببساطة نفت كل ذلك.

وبنفس الطريقة استهدفت روسيا كلاً من أوكرانيا والدول الصغيرة على حدود الناتو الشرقية بسلسلة لا هوادة فيها من الهجمات الإلكترونية. ففي أواخر 2015 أحدث القراصنة الروس تشويشاً في شبكات الكهرباء الأوكرانية (وكذلك تعرضت محطة كهرباء ثانوية قرب كييف مؤخراً لاعتداء لكن هوية الفاعل غير واضحة)، لكن الكرملين يتستر على هجماته الإلكترونية بغطاء ضبابي معتم من المجموعات غير الحكومية أو قراصنة منفردين من مثل غوتشي فار 2 Guccifer 2.0”" الشهير الذي يسمِّي نفسه القرصان "الروماني" والذي زعم أنه استهدف اللجنة الديمقراطية الوطنية الأميركية ليتم كشف هويته الروسية لاحقاً.

فإن نجحت اختبارات ASAT وأطلقت روسيا سلاحها الصاروخي فعندها ستكون قائمة أهدافها المحتملة الأقمار الصناعية التجسسية والاتصالية والجغرافية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في شن حروبها والتي يعتمد عليها الاقتصاد الأميركي للإبحار والبث المتلفز وحتى ألعاب الهواتف المتنقلة.

تمتلك الولايات المتحدة الأميركية تقريباً نصف الأقمار الصناعية التي تعمل في العالم، أي أكثر بكثير من أي دولة أخرى. وتعمل روسيا والصين في السنوات الأخيرة على تحقيق التوازن أمام هذه الأفضلية العددية.

وفي اختبار صاروخي مماثل ASAT عام 2007 أطلقت الصين صاروخاً على قمر اصطناعي لمراقبة الأحوال الجوية متعطل عن الخدمة، فحطم الصاروخ آلاف القطع التي بقي الكثير منها في المدار ومازالت تشكل مصدر خطر دائم على العديد من سفن الفضاء المأهولة منها وغير المأهولة.

وقد أطلقت كل من روسيا والصين أقماراً صناعية صغيرة "للمراقبة" هدفها الرسمي هو مناورة ومراقبة السفن الفضائية الأخرى عن كثب، بيد أنها بكبسة زر بسيطة قد تصطدم بالأقمار الصناعية الأميركية وتخطفها أو تؤذيها أو حتى تدمرها.

يذكر أن البنتاغون كذلك يطلق أقماراً صناعية للمراقبة بوسعها تهديد السفن والمركبات الفضائية الأخرى.


تطوير الصواريخ

وبالتوازي مع تطويرها صواريخ تستهدف الأقمار الصناعية، فقد عكفت روسيا جاهدة لتطوير نظامها الصاروخي Nudol الذي يقول توصيفه الرسمي إنه نظام اعتراض صاروخي مصمم لحماية المدن الروسية من القصف النووي، وترغب موسكو في أن يحل نظام Nudol هذا محل نظامي Gazelle و Gorgon الصاروخيين الدفاعيين اللذين عمّرا عقوداً.

أما قدرات Nudol فتبقى سراً غامضاً خارج نطاق الحكومة الروسية، فإن كان الكرملين ينوي استبدال Gazelle بـ Nudol فلعل Nudol إذاً لا يتمتع بتطبيقات فضائية، أما إن كان الغرض من Nudol استبدال نظام Gorgon الأقوى بكثير، فعندئذٍ لنا أن نقول إن Nudol سيقوم بوظيفتين هما: معترض صواريخ، ومدمر أقمار صناعية.

يقول برايات ويدن الخبير الفضائي في مؤسسة العالم الآمن Secure World Foundation بولاية كولورادو متحدثاً لدايلي بيست عبر البريد الإلكتروني: "لم يكن نظام Gazelle يشكل تهديداً صاروخياً للأقمار الصناعية الظاهرة ASAT لأن مداه لا يتعدى بضعة أميال. أما Gorgon فالأرجح أنه هو الذي كان تهديداً من نوع ASAT لأن مداه يصل إلى مدارات دنيا للأرض".

فإن ضاهت قدرات Nudol قدرات Gorgon، عندها من الممكن أن المعترض الصاروخي الجديد هو أساس الصاروخ الذي كان في اختبار ASAT الظاهر يوم 16 ديسمبر/كانون الأول.

إن إيكال مهمة تدمير السفن الفضائية لنظام Nudol مسألة فيها وجة نظر صائبة، فبدلاً من تصميم سلاح ASAT جديد من الصفر، يمكن لروسيا بكل بساطة أن تعدل من صاروخ كانت تستخدمه لسنوات طوال.

إن التسارع الذي نشهده في سباق التطورات الروسية والصينية في مجال أسلحة ASAT – والتي لا تشكل تجربة الـ16 من ديسمبر/كانون الأول سوى أحدث حلقة في سلسلتها – قد أقض مضجع بعض المسؤولين الأميركيين، فالجنرال بالقوى الجوية الأميركية جون هايتن قائد الإدارة الاستراتيجية الأميركية قال للكونغرس في سبتمبر/أيلول إن روسيا والصين تطوران أسلحة فضائية هجومية بوتيرة أسرع من تلك التي تعمل فيها الولايات المتحدة على تطوير خطوات رادعة.

وختم هايتن بالقول: "إننا نسير بشكل أبطأ بكثير في مجالات معينة مقارنة بأعدائنا، ونحن بحاجة لصناعاتنا وعملية استحواذنا كي نتحرك بسرعة".


الرئيسة
الرد السريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *