تعبــت !

  • كتابات
  • 269 قراءة
  • 0 تعليق
  • الأحد 01-01-2017 09:44 مساء

سام الغباري


في طفولتي .. تعرضت للضرب المبرح من أقراني ، لم أكن أعرف ما الذي يحدث ؟ ، لماذا أنا فقط .. كنت أعدو باكياً ، أجفف دموعي خلف شجرة الكافور الكبيرة ، وفي كل مرة أتعرض فيها للضرب بلا سبب ، أفر من حارتي التي أجمع فتيانها على إيذائي إلى مكان آخر ، منزل جدي الكبير .. وحين أعود مع أحد أعمامي ، أجدهم مجتمعين حول بعضهم ، ينتظرون لحظة إنفرادي بظلي ، لينالوا مني مجدداً ، لم تكن تشفع لهم دموعي ، وارتجافة جسدي الصغير ، وحوشٌ ما زلت أكرههم ، ذات يوم تفوقت عليهم في الفصل الدراسي ، نجحت .. ورسبوا ، فكان يوماً أسوداً .. جاؤوا الى منزلنا القديم ، أطليت برأسي من منظرة خشبية ، ولما رأيتهم .. أوهموني بتقديم التهنئة ، فنزلت إليهم ، إنهالت عليّ لكماتهم ، وركلاتهم ، ذقت طعم الدم لأول مرة في فمي .. مازلت اشعر به إلى اليوم ، قررت أمي - رحمها الله - أن تنتقم لي ، خرجت بعصا معدنية جلبها والدي من احد اصدقائه ، وكانت تستخدم لتركيع الجواميس الكبيرة ، ضربتها قاتلة .. طرقت أمي منزل جارنا ، خرج الوغد من الباب ، فهوت أمي بالعصى ، لكنها اخطأته ، فقد مال برأسه في اللحظة الاخيرة ، جحظت عيناه من الخوف ، ولأول مرة تمنيت أن يموت .. اصابه الرعب ، رأيت ذلك في امتقاع وجهه ، كانت امي تصرخ بغضب وهي تطبق على عنقه بيدها اليسرى "مالكم على ولدي ياعيال الشوارع " ! ، وتلوح بالعصى الفولاذية بيدها الأخرى ، وجُعِل الوغد ينقل بصره بين وجه أمي الثائر والعصا التي تقترب من رأسه .. ولولا تدخل والدته التي هرعت الى الباب لتنقذ وليدها .. لمات من الرعب بين يديّ أمي .
- مازلت في فسحة من حياتي ، كلما رأيت إطلالة أمي .. جسدها الضخم ، هيبتها التي كانت تُسكت أبي عن معاقبتنا ، وتجعل أعمامي يكفون عن شيطنتنا عند جدي الصارم ، كانت أمي رحمها مثل لبوة ضارية تدافع عن صغارها ، ولما اندلعت الحرب في شوارع مدينتنا ، هربنا إلى القبو ، حشرت جسدي مع إخوتي الصغار وراء جلبابها الوحيد ، كانت أصوات القذائف تتعالى ، ظهر أحد اقاربي من نافذة صغيرة عند الفجر .. إطمئن على وجودنا ، وغادر سريعاً ..
- منذ ماتت أمي لم أجد من يواسيني .. أو يدافع عني ، مازلت ذلك الطفل الذي يحتمي بأمه ، كانت كل شيء في حياتي ، بطلي الأسطوري الخارق ، المرأة الحديدية التي تبكي عوز صغارها وشقائهم .. منذ ماتت ، حملتني الحياة إلى ضفتها الأخرى ، حتى تعبت من السفر وحيداً كالعصفور المبلل وسط المطر ، من غياب رفيق يساندني ، يهتم بي ، يتابعني ، يبحث عني ، يرافقني ، يقول لي أين سنذهب ، ومن أين جئنا ؟ تعبت من قبح اليمنيين مع بعضهم ، تعبت من كل الألم الذي أشعر به في هذه الدنيا ، كل يوم .. وكأنها قطع زجاج في رأسي طوال الوقت ، ألم على غياب وطني ، ووفاة أمي .. ألم على انهيار الأصدقاء والصداقات ..


الرئيسة
الرد السريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *